رد أمير المؤمنين (عليه السلام) على من زعم التناقض في القرآن الكريم

بسم الله الرحمن الرحيم 
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم والعن أعدائهم.
روى الشيخ الصدوق (عليه الرحمة و الرضوان) في كتابه التوحيد رواية لمولانا أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه)، يرد فيها على أغلب شبهات أعداء الإسلام حول زعمهم التناقض في القرآن الكريم.
و سنعرض الرواية بأكملها مع ترقيم الشبهات و ترقيم الردود على كل شبهة سآئلين المولى عز وجل أن يفرج عنا أمير المؤمنين كما فرج عن هذا السائل. 
-------------

عرض الشبهات :

حدثنا  أحمد بن الحسن القطان قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن بكر بن عبدالله بن حبيب، قال: حدثني أحمد بن يعقوب بن مطر قال: حدثنا محمد بن الحسن ابن عبدالعزيز الاحدب الجند بنيسابور، قال: وجدت في كتاب أبي بخطه: حدثنا طلحة بن يزيد، عن عبيد الله بن عبيد عن أبي معمر السعداني أن رجلاً أتى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين إني قد شككت في كتاب الله المنزل، قال له عليه السلام: ثكلتك امك وكيف شككت في كتاب الله المنزل؟ ! قال: لاني وجدت الكتاب يكذب بعضه بعضا فكيف لا أشك فيه.
(1) فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: إن كتاب الله ليصدق بعضه بعضا ولا يكذب بعضه بعضا، ولكنك لم ترزق عقلا تنتفع به، فهات ما شككت فيه من كتاب الله عزوجل، قال له الرجل: إني وجدت الله يقول: (فاليوم ننسيهم كما نسوا لقاء يومهم هذا) وقال أيضا: (نسوا الله فنسيهم) وقال: (وما كان ربك نسيا) فمرة يخبر أنه ينسى، ومرة يخبر أنه لا ينسى، فأني ذلك يا أمير المؤمنين.

(2)قال: هات ما شككت فيه أيضا، قال: وأجد الله يقول: (يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا) وقال واستنطقوا فقالوا والله ربنا ما كنا مشركين. وقال: (يوم القيمة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا) وقال: (إن ذلك لحق تخاصم أهل النار) وقال: (لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد) وقال: (نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون) فمرة يخبر أنهم يتكلمون ومرة يخبر أنهم لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا، ومرة يخبر أن الخلق لا ينطقون ويقول عن مقالتهم (والله ربنا ما كنا مشركين) ومرة يخبر أنهم يختصمون، فأني ذلك يا أمير المؤمنين وكيف لا أشك فيما تسمع.

(3)قال: هات ويحك ما شككت فيه، قال: وأجد الله عزوجل يقول: (وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة) ويقول: (لا تدركة الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير) ويقول: (ولقد رآه نزلة اخرى * عند سدرة المنتهى) ويقول: (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما)ومن أدركه الابصار فقد أحاط به العلم، فأني ذلك يا أمير المؤمنين وكيف لا أشك فيما تسمع.

(4)قال: هات أيضا ويحك ما شككت فيه، قال: وأجد الله تبارك وتعالى يقول: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) وقال: (وكلم الله موسى تكليما) وقال: (وناديهما ربهما) وقال: (يا أيها النبي قل لازواجك وبناتك) وقال: ((يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) فأني ذلك يا أمير المؤمنين وكيف لا أشك فيما تسمع.

(5)قال: هات ويحك ما شككت فيه، قال: وأجد الله جل ثناؤه يقول: (هل تعلم له سميا) وقد يسمي الانسان سميعا بصيرا وملكا وربا، فمرة يخبر بأن له أسامي كثيرة مشتركة، ومرة يقول: (هل تعلم له سميا) فأني ذلك يا أمير المؤمنين وكيف لا أشك فيما تسمع.

(6)قال: هات ويحك ما شككت فيه، قال: وجدت الله تبارك وتعالى يقول: (وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الارض ولا في السماء).ويقول: (ولا ينظر إليهم يوم القيمة ولا يزكيهم).ويقول: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون). كيف ينظر إليهم من يحجب عنهم وأنى ذلك يا أمير المؤمنين وكيف لا أشك فيما تسمع.

(7)قال: هات أيضا ويحك ماشككت فيه، قال: وأجد الله عزوجل يقول: (ء أمنتم من في السماء أن يخسف بكم الارض فإذا هي تمور)وقال: (الرحمن على العرش استوى) وقال: (وهو الله في السموات وفي الارض يعلم سركم وجهركم)وقال: (والظاهر والباطن)) وقال: (وهو معكم أين ماكنتم) وقال: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) فأنى ذلك يا أمير المؤمنين وكيف لا أشك فيما تسمع.

(8)قال هات أيضا ويحك ما شككت فيه، قال: وأجد الله جل ثناؤه يقول: (وجاء ربك والملك صفا صفا) وقال: (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقنا كم أول مرة) وقال: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة)وقال: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا) فمرة يقول: يوم (يأتي ربك) ومرة يقول (يوم يأتي بعض آيات ربك) فأنى ذلك أمير المؤمنين وكيف لا أشك فيما تسمع.

(9)قال: هات ويحك ما شككت فيه، قال: وأجد الله جل جلاله يقول: (بل هم بلقاء ربهم كافرون) وذكر المؤمنين فقال: (الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم و أنهم إليه راجعون) وقال: (تحيتهم يوم يلقونه سلام) وقال: (من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت) وقال: (فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا) فمرة يخبر أنهم يلقونه، ومرة أنه لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار، ومرة يقول: (ولا يحيطون به علما) فأنى ذلك أمير المؤمنين وكيف لا أشك فيما تسمع.
(10)قال: هات ويحك ما شككت فيه، قال: وأجد الله تبارك وتعالى يقول: (ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها).
وقال: (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين) وقال: (وتظنون بالله الظنونا) فمرة يخبر أنهم يظنون ومرة يخبر أنهم يعلمون، والظن شك فأنى ذلك يا أمير المؤمنين وكيف لا أشك فيما تسمع.

(11)قال: هات ما شككت فيه قال: وأجد الله تعالى يقول: (ونضع الموازين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئا) وقال: (فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا) وقال: (فاولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب) وقال: (والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فاولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون) فأنى ذلك يا أمير المؤمنين وكيف لا أشك فيما تسمع.

(12)قال: هات ويحك ما شككت فيه، قال: وأجد الله تعالى يقول: (قل يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون) وقال: (الله يتوفى الانفس حين موتها) وقال: (توفته رسلنا وهم لايفرطون) وقال: (الذين تتوفيهم الملائكة طيبين) وقال: (الذين تتوفيهم الملائكة ظالمي أنفسهم) فأنى ذلك يا أمير المؤمنين وكيف لا أشك فيما تسمع، وقد هلكت إن لم ترحمني وتشرح لي صدري فيما عسى أن يجري ذلك على يديك، فإن كان الرب تبارك وتعالى حقا والكتاب حقا والرسل حقا فقد هلكت وخسرت، وإن تكن الرسل باطلا فما علي بأس وقد نجوت.

رد الشبهات : 


فقال علي عليه السلام: قدوس ربنا قدوس تبارك وتعالى علوا كبيرا، نشهد أنه هو الدائم الذي لايزول، ولا نشك فيه، وليس كمثله شئ وهو السميع البصير، وأن الكتاب حق والرسل حق، وأن الثواب والعقاب حق، فإن رزقت زيادة إيمان أو حرمته فإن ذلك بيد الله، إن شاء رزقك وإن شاء حرمك ذلك، ولكن ساعلمك ما شككت فيه، ولا قوة إلا بالله، فإن أراد الله بك خيرا أعلمك بعلمه و ثبتك، وإن يكن شرا ضللت وهلكت.

(1) أما قوله: (نسوا الله فنسيهم) إنما يعنى نسوا الله في دار الدنيا، لم يعلموا بطاعته فنسيهم في الآخرة أي لم يجعل لهم في ثوابه شيئا فصاروا منسسيين من الخير وكذلك تفسير قوله عزوجل: (فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا) يعني بالنسيان أنه لم يثبهم كما يثيب أولياءه الذين كانوا في دار الدنيا مطيعين ذاكرين حين آمنوا به وبرسله وخافوه بالغيب، وأما قوله: (وما كان ربك نسيا) فإن ربنا تبارك وتعالى علوا كبيرا ليس بالذي ينسى ولا يغفل بل هو الحفيظ العليم، وقد يقول العرب في باب النسيان: قد نسينا فلان فلا يذكرنا أي أنه لا يأمر لنا بخير ولا يذكرنا به، فهل فهمت ما ذكر الله عزوجل، قال: نعم، فرجت عني فرج الله عنك وحللت عني عقدة فعظم الله أجرك.

(2) فقال عليه السلام: وأما قوله: (يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا) وقوله: (والله ربنا ماكنا مشركين) وقوله: (يوم القيمة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا) وقوله: (إن ذلك لحق تخاصم أهل النار) وقوله: (لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد) وقوله: (اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون) فإن ذلك في مواطن غير واحد من مواطن ذلك اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة، يجمع الله عز وجل الخلائق يومئذ في مواطن يتفرقون، ويكلم بعضهم بعضا ويستغفر بعضهم لبعض اولئك الذين كان منهم الطاعة في دار الدنيا للرؤساء والاتباع ويلعن أهل المعاصي الذين بدت منهم البغضاء وتعاونوا على الظلم والعدوان في دار الدنيا، المستكبرين والمستضعفين يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضا والكفر في هذه الآية البراء ة، يقول: يبرء بعضهم من بعض، ونظيرها في سورة إبراهيم قول الشيطان (إني كفرت بما أشركتمون من قبل) وقول إبراهيم خليل الرحمن: (كفرنا بكم) يعنى تبرأنا منكم، ثم يجتمعون في موطن آخر يبكون فيه فلو أن تلك الاصوات بدت لاهل الدنيا لاذهلت جميع الخلق عن معائشهم، ولتصدعت قلوبهم إلا ماشاء الله، فلا يزالون يبكون الدم، ثم يجتمعون في موطن آخر فيستنطقون فيه فيقولون: (والله ربنا ما كنا مشركين) فيختم الله تبارك وتعالى على أفواههم و يستنطق الايدي والارجل والجلود فتشهد بكل معصية كانت منهم، ثم يرفع عن إلسنتهم الختم فيقولون لجلودهم: (لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ) ثم يجتمعون في موطن آخر فيستنطقون فيفر بعضهم من بعض، فذلك قوله عزوجل: (يوم يفر المرء من أخيه * وامه وأبيه * وصاحبته وبنيه) فيستنطقون فلا يتكلمون إلا ن أذن له الرحمن وقال صوابا، فيقوم الرسل صلى الله عليهم فيشهدون في هذا الموطن فذلك قوله (فكيف إذا جئنا من كل امة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) ثم يجتمعون في موطن آخر يكون فيه مقام محمد صلى الله عليه واله وسلم وهو المقام المحمود، فيثني على الله تبارك وتعالى بما لم يثن عليه أحد قبله ثم يثني على الملائكة كلهم فلا يبقى ملك إلا أثنى عليه محمد صلى الله عليه واله وسلم، ثم يثني على الرسل بمالم يثن عليهم أحد قبله، ثم يثني على كل مؤمن ومؤمنة يبدء بالصديقين والشهداء ثم بالصالحين، فيحمده أهل السماوات والارض، فذلك قوله: (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) فطوبى لمن كان له في ذلك المقام حظ، وويل لمن لم يكن له في ذلك المقام حظ ولا نصيب، ثم يجتمعون في موطن آخر ويدال بعضهم من بعض وهذا كله قبل الحساب، فإذا اخذ في الحساب شغل كل إنسان بمالديه،نسأل الله بركة ذلك اليوم، قال: فرجت عني فرج الله عنك يا أمير المؤمنين، وحللت عني عقدة فعظم الله أجرك.

(3) فقال عليه السلام: وأما قوله عزوجل: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) وقوله: (لاتدركه الابصار وهو يدرك الابصار) وقوله: (ولقد رآه نزلة اخرى عند سدرة المنتهى) وقوله (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما) فأما قوله: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظره) فإن ذلك في موضع ينتهي فيه أولياء الله عزوجل بعدما يفرغ من الحساب إلى نهر يسمى الحيوان فيغتسلون فيه ويشربون منه فتنضر وجوههم إشراقا فيذهب عنهم كل قذى ووعث، ثم يؤمرون بدخول الجنه، فمن هذا المقام ينظرون إلى ربهم كيف يثيبهم، ومنه يدخلون الجنة، فذلك قوله عزوجل من تسليم الملائكة عليهم: (سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين) فعند ذلك أيقنوا بدخول الجنه والنظر إلى ما وعدهم ربهم فذلك قوله: (إلى ربها ناظرة) وإنما بالنظر إليه النظر إلى ثوابه تبارك وتعالى.
وأما قوله: (لاتدركه الابصار وهو يدرك الابصار) فهو كما قال: (لاتدركه الابصار) يعني لا تحيط به الاوهام (وهو يدرك الابصار) يعني يحيط بها وهو اللطيف الخبير، وذلك مدح امتدح به ربنا نفسه تبارك وتعالى وتقدس علوا كبيرا، وقد سأل موسى عليه السلام وجرى على لسانه من حمد الله عزوجل (رب أرني أنظر إليك) فكانت مسألته تلك أمرا عظيما وسأل أمرا جسيما فعوقب، فقال الله تبارك وتعالى: لن تراني في الدنيا حتى تموت فتراني في الآخرة ولكن إن أردت أن تراني في الدنيا فانظر (إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني) فأبدى الله سبحان بعض آياته وتجلى ربنا للجبل فتقطع الجبل فصار رميما وخر موسى صعقا، يعني ميتا فكان عقوبته الموت ثم أحياه الله وبعثه وتاب عليه، فقال: (سبحانك تبت إليك وأنا أول المومنين) يعني أول مؤمن آمن بك منهم أنه لن يراك، وأما قوله: (ولقد رآه نزلة اخرى عند سدره المنتهى) يعني محمدا صلى الله عليه واله وسلم كان عند سدرة المنتهى حيث لا يتجاوزها خلق من خلق الله وقوله في آخر الآية: (ما زاغ البصر وما طغى لقد راى من آيات ربه الكبرى) رأى جبرئيل عليه السلام في صورته مرتين هذه المرة ومره اخرى وذلك أن خلق جبرئيل عظيم فهو من الروحانيين الذين لا يدرك خلقهم وصفتهم إلا الله رب العالمين.
وأما قوله: (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما) لا يحيط الخلائق بالله عزوجل علما إذ هو تبارك وتعالى جعل على أبصار القلوب الغطاء، فلا فهم يناله بالكيف، ولا قلب يثبته بالحدود، فلا يصفه إلا كما وصف نفسه ليس كمثله شئ وهو السميع البصير، الاول والآخر والظاهر والباطن، الخالق البارئ المصور، خلق الاشياء فليس من الاشياء شئ مثله تبارك وتعالى، فقال: فرجت عني فرج الله عنك، وحللت عني عقدة فأعظ الله أجرك يا أمير المؤمنين.

(4) فقال عليه السلام: وأما قوله: (وما كان لبشر أن يكلمه إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذانه ما يشاء) وقوله: (وكلم الله موسى تلكيما) و قوله: ((وناديهما ربهما) وقوله: (يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة) فأما قوله (ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب) فإنه ما ينبغي لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا وليس بكائن إلا من وراء حجاب، أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء، كذلك قال الله تبارك وتعالى علوا كبيرا، قد كان الرسول يوحى إليه من رسل السماء فيبلغ رسل السماء رسل الارض، وقد كان الكلام بين رسل أهل الارض وبينه من غير أن يرسل بالكلام مع رسل أهل السماء، وقد قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: يا جبرئيل هل رأيت ربك فقال جبرئيل: إن ربي لايرى، فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: فمن أين تأخذ الوحي؟ فقال: آخذه من إسرافيل فقال: ومن أين يأخذه إسرافيل؟ قال: يأخذه من ملك فوقه من الروحانيين، قال: فمن أين يأخذه ذلك الملك؟ قال: يقذف في قلبه قذفا، فهذا وحي، وهو كلام الله عزوجل، وكلام الله ليس بنحو واحد، منه ما كلم الله به الرسل، ومنه ماقذفه في قلوبهم، ومنه رؤيا يريها الرسل، ومنه وحي وتنزيل يتلى ويقرأ، فهو كلام الله، فاكتف بما وصفت لك من كلام الله، فإن معنى كلام الله ليس بنحو واحد فإن منه ما يبلغ به رسل السماء رسل الارض، قال: فرجت عني فرج الله عنك و حللت عني عقدة فعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين.

(5) فقال عليه السلام: وأما قوله: (هل تعلم له سميا) فإن تأويله هل تعلم أحدا اسمه الله غير الله تبارك وتعالى، فإياك أن تفسر القرآن برأيك حتى تفقهه عن العلماء، فإنه رب تنزيل يشبه كلام البشر وهو كلام الله، وتأويله لا يشبه كلام - البشر، كما ليس شئ من خلقه يشبهه، كذلك لا يشبه فعله تبارك وتعالى شيئا من أفعال البشر، ولا يشبه شئ من كلامه كلام البشر، فكلام الله تبارك وتعالى صفته وكلام البشر أفعالهم، فلا تشبه كلام الله بكلام البشر فتهلك وتضل، قال: فرجت عني فرج الله عنك، وحللت عني عقدة فعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين.

(6) فقال عليه السلام: وأما قوله: (وما يعزب عن ربك من مثقال ذره في الارض ولا في السماء، كذلك ربنا لا يعزب عنه شئ، وكيف يكون من خلق الاشياء لا يعلم ما خلق وهو الخلاق العليم.
وأما قوله: (لاينظر إليهم يوم القيمة) يخبر أنه لا يصيبهم بخير، وقد تقول العرب: والله ما ينظر إلينا فلان، وإنما يعنون بذلك أنه لايصيبنا منه بخير، فذلك النظر ههنا من الله تعالى إلى خلقه، فنظره إليهم رحمة منه لهم، وأما قوله: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) فإنما يعني بذلك يوم القيامة أنهم عن ثواب ربهم محجوبون قال: فرجت عني فرج الله عنك، وحللت عني عقدة فعظم الله أجرك.

(7) فقال عليه السلام: وأما قوله: (ء أمنتم من في السماء أن يخسف بكم الارض فإذا هي تمور) وقوله: (وهو الله في السموات وفي الارض) وقوله: (الرحمن على العرش استوى) وقوله: (وهو معكم أينما كنتم) وقوله: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) فكذلك الله تبارك وتعالى سبوحا قدوسا، تعالى أن يجري منه مايجري من المخلوقين وهو اللطيف الخبير، وأجل وأكبر أن ينزل به شئ مما ينزل بخلقه وهو على العرش استوى علمه، شاهد لكل نجوى، وهو الوكيل على كل شئ، والميسر لكل شئ، والمدبر للاشياء كلها، تعالى الله عن أن يكون على عرشه علوا كبيرا.

(8) فقال عليه السلام: وأما قوله: (وجاء ربك والملك صفا صفا) وقوله: (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة)، قوله: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة) وقوله: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك اويأتي بعض آيات ربك) فإن ذلك حق كما قال الله عزوجل، و ليس له جيئة كجيئة الخلق، وقد أعلمتك أن رب شئ من كتاب الله تأويله على غير تنزيله ولا يشبه كلام البشر، وسأنبئك بطرف منه فتكتفي إن شاء الله، من ذلك قول ابراهيم عليه السلام: (إني ذاهب إلى ربي سيهدين) فذهابه إلى ربه توجهه إليه عبادة واجتهادا وقربة إلى الله عزوجل، ألاترى أن تاويله غير تنزيله، وقال (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) يعني السلاح وغير ذلك، وقوله: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة) يخبر محمدا صلى الله عليه واله وسلم عن المشركين والمنافقين الذين لم يستجيبوا لله وللرسول، فقال: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة) حيث لم يستجيبوا لله ولرسوله (أو ياتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك) يعني بذلك العذاب يأتيهم في دار الدنيا كما عذب القرون الاولى، فهذا خبر يخبر به النبي صلى الله عليه واله وسلم عنهم، ثم قال: (يوم يأتي بعض آيات ربك لاينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في أيمانها خيرا) يعني من قبل أن يجيئ هذه الآية، وهذه الآية طلوع الشمس من مغربها، وإنما يكتفي اولو الالباب والحجى واولو النهى أن يعلموا أنه إذا انكشف الغطاء رأوا ما يوعدون، وقال: في آية اخرى: (فأتيهم الله من حيث لم يحتسبوا) يعني أرسل عليهم عذابا، وكذلك إتيانه بنيانهم قال الله عز وجل: (فأتى الله بنيانهم من القواعد) فإتيانه بنيانهم من لقواعد إرسال العذاب عليهم، وكذلك ما وصف من أمر الآخرة تبارك اسمه وتعالى علوا كبيرا أنه يجري اموره في ذلك اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة كما يجري اموره في الدنيا لايغيب ولا يأفل مع الآفلين، فاكتف بما وصفت لك من ذلك مما جال في صدرك مما وصف الله عزوجل في كتابه، ولا تجعل كلامه ككلام البشر، هو أعظم وأجل وأكرم وأعز تبارك وتعالى من أن يصفه الواصفون إلا بما وصف به نفسه في قوله عزوجل: (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) قال: فرجت عني يا أمير المؤمنين فرج الله عنك، وحللت عني عقدة.

(9) فقال عليه السلام: وأما قوله: (بل هم بلقاء ربهم كافرون) وذكر الله المؤمنين (الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم)) وقوله لغيرهم: (إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه) وقوله: (فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا) فأما قوله: (بل هم بلقاء ربهم كافرون) يعني البعث فسماه الله عزوجل لقاءه، وكذلك ذكر المؤمنين (الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم) يعني يوقنون أنهم يبعثون و يحشرون ويحاسبون ويجزون بالثواب والعقاب، فالظن ههنا اليقين خاصة، و كذلك قوله: (فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا) وقوله: (من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت) يعني: من كان يؤمن بأنه مبعوث فإن وعد الله لآت من الثواب والعقاب، فاللقاء ههنا ليس بالرؤية، واللقاء هو البعث، فافهم جميع ما في الكتاب من لقائه فإنه يعني بذلك البعث، وكذلك قوله: (تحيتهم يوم يلقونه سلام) يعني أنه لايزول الايمان عن قلوبهم يوم يبعثون، قال: فرجت عني يا أمير المؤمنين فرج الله عنك، فقد حللت عني عقدة.

(10) فقال عليه السلام: وأما قوله: (ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها) يعني أيقنوا أنهم داخلوها، وكذلك قوله: (إني ظننت أني ملاق حسابيه) يقول إني أيقنت أني ابعث فاحاسب، وكذلك قوله: (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين) وأما قوله للمنافقين: (وتظنون بالله الظنونا) فهذا الظن ظن شك وليس ظن يقين، والظن ظنان: ظن شك وظن يقين، فما كان من أمر معاد من الظن فهو ظن يقين، وما كان من أمر الدنيا فهو ظن شك فافهم ما فسرت لك، قال: فرجت عني يا أمير المؤمنين فرج الله عنك.

(11) فقال عليه السلام: وأما قوله تبارك وتعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئا) فهو ميزان العدل يؤخذ به الخلائق يوم القيامة، يدين الله تبارك و تعالى الخلق بعضهم من بعض بالموازين.
وفي غير هذا الحديث الموازين هم الانبياء والاوصياء عليهم السلام.
وأما قوله عزوجل: (فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا) فإن ذلك خاصه.
وأما قوله: (فاولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب) فإن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: قال الله عزوجل: لقد حقت كرامتي - أو قال: مودتي - لمن يراقبني ويتحاب بجلالي ان وجوههم يوم القيامة من نور على منابر من نور عليهم ثياب خضر، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: قوم ليسوا بأنبياء ولا شهداء، ولكنهم تحابوا بجلال الله ويدخلون الجنة بغير حساب، نسأل الله عزوجل أن يجعلنا منهم برحمته.
وأما قوله: فمن ثقلت موازينه وخفت موازينه فإنما يعني الحساب، توزن الحسنات والسيئات، والحسنات ثقل الميزان والسيئات خفة الميزان.  
(12) فقال عليه السلام: وأما قوله: (قل يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون) وقوله: (الله يتوفى الانفس حين موتها) وقوله: (توفته رسلنا وهم لايفرطون) وقوله: (الذين تتوفيهم الملئكة ظالمي أنفسهم) وقوله: تتوفيهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم) فإن الله تبارك وتعالى يدبر الامور كيف يشاء، ويوكل من خلقه من يشاء بما يشاء.
أما ملك الموت فإن الله يوكله بخاصة من يشاء من خلقه، ويوكل رسله من الملائكة خاصة بمن يشاء من خلقه، والملائكة الذين سماهم الله عز ذكره وكلهم بخاصة من يشاء من خلقه، إنه تبارك وتعالى يدبر الامور كيف يشاء، وليس كل العلم يستطيع صاحب العلم أن يفسره لكل الناس لان منهم القوي والضعيف، ولان منه مايطاق حمله ومنه مالا يطاق حمله إلا من يسهل الله له حمله وأعانه عليه من خاصة أوليائه، وإنما يكفيك أن تعلم أن الله هو المحيي المميت وأنه يتوفى الانفس على يدي من يشاء من خلقه من ملائكته وغيرهم، قال: فرجت عني فرج الله عنك ياأمير المؤمنين ونفع الله المسلمين بك.

فقال علي عليه السلام للرجل: إن كنت قد شرح الله صدرك بما قد تبينت لك فأنت والذي فلق الحبة وبرأ النسمة من المؤمنين حقا، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين كيف لي أن أعلم بأني من المؤمنين حقا؟ قال عليه السلام: لايعلم ذلك إلا من أعلمه الله على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وشهد له رسول الله صلى الله عليه وآله بالجنة أو شرح الله صدره ليعلم ما في الكتب التي أنزلها الله عزوجل على رسله وأنبيائه، قال: يا أمير المؤمنين ومن يطيق ذلك؟ قال: من شرح الله صدره ووفقه له، فعليك بالعمل لله في سر أمرك وعلانيتك فلا شئ يعدل العمل.














ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق